فصل: سورة الشمس:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البحر المديد في تفسير القرآن المجيد (نسخة منقحة)



.تفسير الآيات (11- 20):

{فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (16) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (17) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (18) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (19) عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ (20)}
يقول الحق جلّ جلاله: {فلا اقتحم العقبةَ}، الاقتحام: الدخول بشدة ومشقة والعقبة: كل ما يشق على النفس من الأعمال الصالحات، ولا هنا إمّا تحضيضية، أي: هلاَّ اقتح العقبة، وإمّا نافية، أي: فلم يشكر تلك الأيادي والنِعم، من البصر وما بعده، بالأعمال الصالحة من فك الرقاب وما سيذكره، فإن قلت: لا النافية إذا دخلت على الماضي ولم تكن دعائية وجب تكرارها؟ فأجاب الزمخشري: بأنها مكررة في المعنى، أي: فلا اقتحم ولا فك رقبة ولا أطعم مسكيناً.. إلخ.
ثم عظَّم تلك العقبة بقوله: {وما أدراك ما العقبةُ} أي: أيّ شيء أعلمك ما هي العقبة التي أُمر الإنسان باقتحامها، أو نفي عنه اقتحامها؟ ثم فسّرها بقوله: {فَكُ رقبةٍ} أي: هي إعتاق رقبة أو إعانة في أداء كتابتها. قال ابن جُزي: وفك الأسارى من الكفار أعظم أجراً من العتق؛ لأنه واجب ولو استغرقت فيه أموال المسلمين، ولكنه لا يجزي في الكفارات. اهـ.
{أو إِطعامٌ في يومٍ ذي مَسْغَبةٍ} أي: مجاعة {يتيماً ذا مقربةٍ} أي: قرابة، {أو مسكيناً ذا متربةٍ}؛ ذا فقر، يقال: ترِب فلان: إذا افتقر والتصق بالتراب، ومَن قرأ {فكَ} و{أطعمَ} بصيغة الماضي فبدل من {اقتحم}، {ثم كان من الذين آمنوا} اي: دام على إيمانه، أو: ثُم كان حين فعل ما تقدّم من المؤمنين فيحنئذ ينفعه ذلك، وإنما جاء ب {ثم} لتراخي الإيمان وتباعده في الرتبة والفضيلة عن العتق والصدقة لا في الوقت، إذ الإيمان هو السابق على غيره، إذ لا يقبل عمل صالح إلاّ به، {وتَوَاصَوا بالصبرِ} عن المعاصي وعلى الطاعات، أو: المحن التي يُبتلى بهما المؤمن، {وتَوَاصَوا بالمرحمةِ}؛ بالتراحم فيما بينهم. {أولئك أصحابُ الميمنةِ} أي: الموصوفون بهذه الصفات هم أصحاب اليمين واليمْن، {والذين كفروا بآياتنا}؛ بما نصبناه دليلاً على الحق من كتاب وحجة، أو بالقرآن {هم أصحابُ المشئمةِ} أي: الشمال أو الشؤم، {عليهم نار موصدة}؛ مُطْبَقة، من أوصدت الباب وآصدته: إذا أغلقته.
الإشارة: هلاَّ اقتحم مريد الوصول العقبةَ، وهي سلوك الطريق، بخرق عوائد النفس وترك هواها وجَرِّها إلى مكروهها، وعن الحسن رضي الله عنه: عقبة والله شديدة، يُجاهد الإنسانُ نفسَه وهواه، وعدوه الشيطان. اهـ. ثم فسَّرها بفك الرقبة، أي: رقبة نفسه يفكها من أن يملكه السِّوى، أو: يفكها من الذنوب والعيوب، أو فكها من رِقّ الطمع في الخلق، فإنه بذر شجرة الذل، أو: فكها من سجن الأكوان إلى فضاء شهود المكوِّن، أو: فك رقبة الغافل الجاهل من رِقّ نفسه بتذكيره ووعظه أو تربيته، أو إطعام روح جائعة من اليقين، إمّا يتيماً لا أب له روحاني، أي لا شيخ له، فتذكِّره بما يتقوّى به إيقانه، أو فقيراً من أسرار التوحيد ترابيًّا أرضيًّا، فترقّيه إلى سماء الأسرار، ثم كان ممن آمن بطريق الخصوص، وتواصَى بالصبر على مشاق السير، والتراحم والتوادد والتواصل، كما هو شأن أهل النسبة، فهؤلاء هم أهل اليُمْن والبركة، وضدهم ممن جحدوا أهل الخصوصية هم أهل الشؤم. وبالله التوفيق، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله.

.سورة الشمس:

.تفسير الآيات (1- 10):

{وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (2) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (4) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (5) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (6) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)}
يقول الحق جلّ جلاله: {والشمسِ وضُحاها} أي: وَضوئها إذا أشرقت وقام سلطانها، {والقمرِ إِذا تلاها}؛ تبعها في الضياء والنور وذلك في النصف الأول من الشهر، يخلف القمرُ الشمسَ في النور، {والنهارِ إِذا جلاَّها} أي: جلّى الشمسَ وأظهرها للرائين، وذلك عند افتتاح النهار وانبساطه؛ لأنَّ الشمس تنجلي في ذلك الوقت تمام الانجلاء، وقيل: الضمير للظلمة أو الأرض، وإن لم يجر لها ذكر، كقوله: {مَا تَرَكَ على ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ} [فاطر: 45]، {والليلِ إِذا يغشاها} أي: يستر الشمس ويُظْلِمُ الأفاق، والواو الأولى في هذه الأشياء للقسم باتفاق، وكذا الثانية عند البعض وعند الخليل: الثانية للعطف؛ لأنَّ إدخال القسم على القسم قبل تمام الأول لا يجوز، ألا ترى: أنك لو جعلت مرضعها كلمة الفاء أو ثم لكان المعنى على حاله، وهما حرفا عطف وكذا الواو، ومَن قال: إنها للقسَمَ احتجّ بأنها لو كانت للعطف لكان عطفاً على عاملين، لأنَّ قوله: {والليل} [الليل: 1] مثلاً مجرور بواو القسم، {إِذا يغشى} منصوب بالفعل المقدّر الذي هو أقسم، فلو جعلت الواو التي في {والنهار إِذَا تجلى} [الليل: 2] للعطف لكان النهار معطوفاً على الليل جرًّا، و{إذا تجلى} معطوفاً على {يغشى} نصباً، وكان كقولك: إنَّ في الدار زيداً، والحُجرة عَمْراً، وأجيب بأنّ واو القسم تنزّلت منزلة الباء والفعل، حتى لم يجز إبراز الفعل معها، فصار كأنها العاملة جرًّا ونصباً، وصارت كعاملٍ واحد له معمولان، وكلُّ عامل له عملان يجوز أن يعطف على معموليه بعاطف واحدٍ بالاتفاق، نحو: ضرب زيدٌ عمراً وأبو بكر خالداً، فترفع بالواو وتنصب لقيامها مقام العامل.
{والسماءِ وما بناها} أي: ومَن بناها، وإيثار {ما} على مَنْ لإرادة الوصفيّة تفخيماً، كأنه قيل: والقادر العظيم الذي بناها، وجعلُها مصدرية مخلّ بالنظم الكريم، وكذا في قوله: {والأرضِ وما طحاها} أي: بسطها من كل جانب، كـ دحاها.
{ونفسٍ وما سوَّاها} أي: والحكيم الباهر الحكمة الذي سوّاها وأتقن صورتها، مستعدة لكمالاتها، والتنكير للتفخيم، على أنَّ المراد نفس آدم عليه السلام أو للتكثير، وهو الأنسب للجواب، أي: ومَن سوّى كلَّ نفس، {فألْهَمَها فجورَها وتقواها} أي: ألهمها طاعتها ومعصيتها، وأفهمها قبح المعصية وحسن الطاعة أو عَرَّفها طرق الفجور والتقوى، وجعل لها قوة يصح معها اكتساب أحد الأمرين، ويحتمل أن تكون الواو بمعنى أو كقوله: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السبيل إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً} [الإنسان: 3] أي: ألهم مَن أراد شقاوتها فجورها فسعت إليه، وألهم مَن أراد سعادتها تقواها، فسعت إليه. {قد أفلح مَن زَكَّاها} أي: فاز بكل مطلوب، ونجا مِن كل مكروه مَن طَهَّرَها وأصلحها وجعلها زكيةً بالإيمان والطاعة، {وقد خاب مَن دسَّاها}؛ أغواها، قال عكرمة: أفلحت نفس زكّاها اللهُ، وخابت نفس أغواها الله ويجوز أن تكون التدسية والتطهير فعل العبد.
والتدسية: النفس والإخفاء، أي: خسر مَن نقصها وأخفاها بالفجور وأصل دسّى: دسّس كتقضى وتقضض، فأبدل من الحرف الثالث ياء، قال في الكافية:
وثالث الأمثال أبدلنه ياء ** نحو تظنا خالد تظنينا

وجواب القسم محذوف، والتقدير: ليهلكنّ الله مَن كفر من قريش ويُدمدم عليهم كما دمدم على ثمود، وقيل: {قد أفلح} وليس بشيء، وقيل: {كذبت ثمود} على إضمار {قد} والأول أحسن والله تعالى أعلم.
الإشارة: والشمس شمس العرفان، وابتداء ضُحاها في أول الفناء والقمر قمر الإيمان إذا تلاها بالرجوع للأثر بالتنزُّل لعالم الحكمة كمالاً وتكميلاً، والنهار نهار التمكين إذا جلاّها، أي: ظلمة حس الكائنات، وقلعها مِن أصلها بشهود المكوِّن والليل؛ ليل القطيعة، إذا يغشاها بقهرية الحق اختباراً، هل يضطرب ويفزع فيُردّ عليه، أو يتسلّى فيُسلب أو نهار البسط إذا جلاّها، أي: ظلمة القبض، وليل القبض إذا يغشاها، أي: شمس نهار البسط، أقسم تعالى بتعاقبهما والسماء سماء الأرواح وما بناها؛ رفعها، والأرض أرض الأشباح، وما طحاها أي: بسطها للعبودية ونفسٍ وما سوّاها؛ ألقى صورتها وهيّأها للقُرب والبُعد فألهمها فجورها وتقواها بما أعطاها من نور العقل، قال الورتجبي: سوّاها بتسوية الصِفة ورقمها بنور الآزلية، ثم بيَّن أنه تعالى عرّفها طرق لطيفات الذات، وقهرية الصفات بنفسه بلا واسطة بقوله: {فألهمها فجورها وتقواها} عرّفها أولاَ طريق القهر حتى عرفت المهلكات ثم عرَّفها طريق اللطف حتى عرفت معالجتها من المنجيات والمقصود منها: عرفانها عند الحق بطريق القهر واللطف، حتى تكمل معرفةُ صانعها. اهـ.
قال القشيري: فألهمها فجورها وتقواها: بأن خَذَلَها ووَفَّقَها، ويقال: فجورها: حركتها في طلب الرزق، وتقواها: سكونها لحُكْم التقدير. ثم قال: ويُقال: أفلح مَن طهَّرها من الذنوب والعيوب، ثم عن الأطماع في الأَعواض، ثم العبد نفسه عن الاعتراض على الأنام، وعن ارتكاب الحرام، وقد خاب مَن خان نفسه وأهملها عن المراعاة، ودسَّها بالمخالفات، وفي نوادر الأصول ما حاصله: أنَّ دسّاها بمنزلة مَن دسّ شيئاً في كوة، يمنع من دخول الضوء، كذلك الهوى والشهوة سدّ وغلّق على القلب من حصول ضوء القربة والوصلة. اهـ.

.تفسير الآيات (11- 15):

{كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (11) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (12) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (13) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (14) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا (15)}
يقول الحق جلّ جلاله: {كذبتْ ثمودُ} صالحاً {بطغواها} أي: بسبب طغيانها، إذ الحامل لهم على التكذيب هو طغيانهم، وفيه وعظ لأمثالهم، وتهديد للحاضرين الطاغين؛ لأنَّ الطغيان أجرم الجرائم الموجبة للهلاك والخيبةِ في الدنيا والآخرة. {إِذ انبعث أشقاها}، منصوب ب {كذبتْ}، أي: حين قام أشقى ثمود، وهو: قُدّار بن سالف، أو: هو ومَن تصدّى معه للعقر من الأشقياء، فإنَّ أفعل التفضيل إذا أضيف يصلح للواحد والمتعدد، والمذكر والمؤنث. وفضل شقاوتهم على مَن عداهم لمباشرتهم العقر مع اشتراك الكل في الرضا به.
{فقال لهم} أي: لثمود {رسولُ الله} صالح عليه السلام عبَّر عنه بعنوان الرسالة إيذاناً بوجوب طاعته وبياناً لغاية عتوهم، وهو السر في إضافة الناقة إليه تعالى في تقوله: {ناقةَ الله} أي: احذروا عقرها، أو احفظوها، {و} الزموا {سُقياها} فلا تُدَوروها في نوبتها، وهما منصوبان على التحذير. {فكذّبوه} فيما حذّرهم به من نزول العذاب بقوله: {وَلاَ تَمَسُّوهَا بسواء فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الأعراف: 73]، {فعقروها}، أسند الفعل إليهم، وإن كان العاقر واحداً، لقوله: {فَنَادَوْاْ صَاحِبَهُمْ فتعاطى فَعَقَرَ} [القمر: 29] لرضاهم به. قال قتادة: بلغنا أنه لم يعقرها حتى تابعه صغيرهم وكبيرهم. وذكرانهم وإناثهم. {فَدَمْدَمَ عليهم ربُّهم}؛ فأطبق عليهم العذاب حتى استأصلهم. قال الهروي: إذا كررت الإطباق قلت: دمدمت عليه، أي: أدمت عليه الدمدمة وقيل: فدمدم عليهم: عَضِبَ عليهم، {بذنبهم}؛ بسبب ذنبهم، وصّرح به مع دلالة الفاء عليه للإيذان بأنه عاقبة كل ذنب ليعتبر به كل مذنب. {فسوَّاها} أي: الدمدمةّ بينهم، لم يفلت منهم أحد من صغيرهم وكبيرهم، أو فسوّى ثمود بالأرض بتسوية بنائها وهدمه، {وَلآ يَخَافُ عُقْبَآهَا} [الشمس: 15] أي: عاقبتها وتَبِعَتها، كما يخاف سائر المعاقِبين أي: فعل ذلك غير خائف أن يلحقه تبعة مِن أحد، كما يخاف مَن يعاقب مِن الملوك وغيرهم لأنه تصرف في ملكه، {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23]. ومَن قرأ بالواو فهو للحال، أو الاستئناف.
الإشارة: قال القشيري: كذبت ثمودُ النفس بسبب طغيانها على القلب بالشهوات الحيوانية واللذات الجسمانية، إذ انبعث أشقاها، هو الهوى المتبع، الساعي في قتل ناقة الروح، فقال لهم رسول الله؛ القلب الصالح: ناقةَ الله أي: اتركوا ناقةَ الله ترعى في المراتع الروحانية، من المكاشفات والمشاهدات والمعاينات، فكذّبوه؛ فكذبت ثمود النفس وجنودُها رسولَ القلب، فعقروها، أي: الروح بالظلمة النفسانية والشهوة الحيوانية، فَدَمْدَم عليهم ربُّهم؛ على ثمود النفس وقومها عذاب البُعد والطرد بذنبهم، فسوّاها، أي: فسوّى الدمدمة، وهي الإطباق على النفس وجنودها، فلا يخاف عقباها لغناه عن العالمين. اهـ. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

.سورة الليل:

.تفسير الآيات (1- 11):

{وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (2) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (3) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (4) فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (11)}
يقول الحق جلّ جلاله: {والليلِ إِذا يغشى} أي: حين يغشى الشمس، كقوله تعالى: {والليل إِذَا يَغْشَاهَا} [الشمس: 4] أو: كل ما يواريه بظلامه. وقال القشيري: إذا يغشى الأفق وما بين السماء والأرض فيستره بظلمته. {والنهارِ إِذا تَجَلَّى} أي: ظهر وأسفر ووضح، {وماخَلَقَ الذكَرَ والأُنثى} أي: والقادر الذي خلق الذكر والأنثى من كل ما له توالد مِن ماءٍ واحد، وقيل: هما آدم وحواء، و{ما} بمعنى {من} أو مصدرية. وقرئ {والذكر والأنثى} وقرئ {الذي خلق الذكر والأنثى}. جواب القسم: {إِنَّ سعيَكم} أي: عملكم {لشتَّى}؛ لمختلف، جمع شتيت، أي: إنّ مساعيكم لأشتات مختلفة.
ثم فصّله فقال: {فأّمَّا مَن أعطى} حقوق ماله {واتقى} محارمَ الله التي نهى عنها، {وصدَّق بالحسنى}؛ بالخصلة الحُسنى، وهي الإيمان، أو بالكلمة الحسنى، وهي كلمة التوحيد أو بالملة الحسنى، وهي الإسلام، أو بالمثوبة الحسنى، وهي الجنة، والتصديق هو أن يرى أنَّ ما وعده اللهُ به يوصله إليه، ولا يجري على قلبه خاطر شك {فسَنُيَسِّره لليُسرى}؛ فسنهيئه للطريقة التي تؤدي إلى الراحة واليُسر، كدخول الجنة ومبادئه. قال ابن عطية: معناه: سنظهر عليه تيسيرنا إياه بما يتدرج فيه من أعمال الخير، وحَتْم تيسيره كان في علم الله أزلاً. اهـ. يقال: يسَّرَ الفرس، إذا أسرجها وألجمها.
{وأمّا مَن بَخِلَ} بماله فلم يبذله في سبيل الخير، {واستغنَى} أي: زهد فيما عند الله تعالى، كأنه مستغنٍ عنه فلم يتقه، أو: استغنى بشهوات الدنيا عن نعيم الآخرة، {وكَذَّب بالحُسنى} أي: بالخصلة الحسنى، على ما ذكر من معانيها {فسَنُيَسِّره للعُسرى} أي: للخصلة المؤدّية إلى العسر والشدة، كدخول النار ومقدماته، لاختياره لها. وقال الإمام أي الفخر: كل ما أدّت عاقبته إلى الراحة والأمور المحمودة، فذلك اليسرى، وهو وصف كل الطاعات وكل ما أدّت عاقبته إلى التعب والردى، فذلك العُسرى، وهو وصف كل المعاصي. اهـ. {وما يُغني عنه مالُه} الذي بَخِلَ به، أي: لا ينفعه شيئاً {إِذا تَرَدَّى}؛ هَلَكَ، تفعّل، من الردى، أو تردَّى في حفرة القبر، أو في قعر جهنّم، والعياذ بالله.
الإشارة: أقسم تعالى بليل الحجاب، إذا يغشى القلوبَ المحجوبة، ونهار التجلِّي إذا يغشى القلوب الصافية، وكأنه تعالى أقسم بقهر جلاله، ولُطف جماله، وقدرته على خلق أصناف الحيوانات، إنَّ سعي الناس لشتى، فأمّا مَن أعطى مالَه ونفسَه، واتقى كلَّ ما يشغله عن المولى، فَسنُيَسِّره لسلوك الطريق اليُسرى، التي توصل إلى حضرة المولى. وقال الورتجبي: سهّل له طريقَ الوصول إليه، ويرفع عنه الكلفة والتعب في العبودية. وقال القشيري: نُسَهِّلُ عليه الطاعات، ونُكَرِّه إليه المخالفات، ونهيئ له القُربَ، ونُحَبِّبُ له الإيمان، ونُزَيِّن في قلبه الإحسان. اهـ. وأمَّا مَن بَخِلَ بماله ونفسه، واستغنى عن معرفة ربه معرفة العيان وقنع بمقام الإيمان، فسَنُيسره للعُسرى، وهي طريق البُعد والحجاب، كاشتغاله بحب الدنيا، وجمع المال، وما يُغني عنه ماله إذا تردى في مهاوي البُعد والردى.